أبي منصور الماتريدي

358

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

والثاني : أن الله تعالى حقيق بذلك ؛ إذ لا عيب يمسّه ، ولا آفة تحل به فيدخل نقصان في ذلك . ولا هو خاصّ بشيء . والعبد لا يخلو عن عيوب تمسّه ، وآفات تحل به ، ويمدح بالائتمار ، ويذم بتركه . وفي ذلك تمكن النقصان ، وحق لمثله الفزع إلى الله ، والتضرع إليه ؛ ليتغمده برحمته ، ويتجاوز عن صنيعه . وعلى ذلك معنى التكبير ، نحمد به ربنا ولا نحمد غيره ؛ إذ ليس للعبد معنى يستقيم معه تكبّره ، إذ هم جميعا أكفاء من طريق المحبّة ، والخلق ، وما أدرك أحد منهم من فضيلة أو رفعة فبالله أدركه ، لا بنفسه ؛ فعليه تنزيه الرب ، والفزع إليه بالشكر ، لا بالتكبر على أمثاله . والله عن هذا الوصف متعال . ويحتمل أن يكون قوله : الْحَمْدُ لِلَّهِ على إضمار الأمر ، أي : قولوا : الحمد لله ؛ لأن الحمد يضاف إلى الله ، فلا بد من أن يكون له علينا ؛ فأمر بالحمد لذلك . ثم يخرج ذلك على وجهين : أحدهما : ما روى عن ابن عباس « 1 » - رضي الله عنه - أنه قال : « الحمد لله : أي الشكر لله بما صنع إلى خلقه » « 2 » . فيخرج تأويل الآية على هذا ؛ لأنه - على هذا الترتيب - على الأمر بتوجيه الشكر إليه ، وذلك يتضمن الأمر أيضا بكل الممكن من الطاعة على ما روى عن النبي - عليه السلام - « أنّه صلّى حتّى تورّمت قدماه فقيل له : أليس قد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر ؟ قال : أفلا أكون عبدا شكورا » « 3 » ! .

--> ( 1 ) هو : عبد الله بن عباس بن عبد المطلب القرشي ، أبو العباس حبر الأمة الصحابي الجليل ، ولد بمكة سنة ( 3 ق ه ) وشهد مع الإمام على ( الجمل وصفين ) وعن أبي وائل قال : استعمل ابن عباس على الحج فخطب خطبة لو سمعها الترك والروم لأسلموا . وقال أبو بكر : قدم ابن عباس علينا بالبصرة وما في العرب مثله جسما وعلما وبيانا وجمالا وكمالا ، وينسب إليه كتاب في تفسير القرآن جمعه بعض أهل العلم من مرويات المفسرين عنه في كل آية ، توفى بالطائف سنة 68 ه في أيام الزبير ، وكان ابن الزبير قد أخرجه من مكة إلى الطائف فمات بها وهو ابن سن 70 ، وقيل : ابن 71 سنة ، وقيل : 74 سنة ، رحمه الله . راجع : الإصابة ( 4 / 90 / ت 4772 ) ، صفة الصفوة ( 1 / 314 ) ، الاستيعاب ( 2 / 383 / ت 1593 ) ، طبقات الفقهاء للشيرازى ص ( 18 ) ، سير أعلام النبلاء ( 3 / 224 ) ، أسد الغابة ( 3 / 192 ) ، حلية الأولياء ( 1 / 314 ) ، تذكرة الحفاظ ( 1 / 34 ) ، تاريخ الخميس ( 2 / 345 ) ، معالم الإيمان ( 1 / 107 ) ، تاريخ الإسلام ( 3 / 30 ) ، مفتاح دار السعادة ( 2 / 13 - 14 ) . ( 2 ) أخرجه ابن جرير ، وابن أبي حاتم عنه كما في الدر المنثور ( 1 / 34 ) . ( 3 ) أخرجه البخاري ( 9 / 558 ) كتاب التفسير ، باب قوله : ( « ليغفر الله لك . . . » ) الآية ( 4836 ) ، ومسلم ( 4 / 2171 ) ، كتاب صفات المنافقين وأحكامهم ، باب إكثار الأعمال والاجتهاد في العبادة ( 79 / 2819 ) ، وعبد الرزاق ( 4746 ) ، والحميدي ( 759 ) ، وأحمد ( 4 / 251 ، 255 ) ، والترمذي ( 1 / 437 ) ، كتاب الصلاة ، باب ما جاء في الاجتهاد في الصلاة ( 412 ) ، وابن ماجة ( 2 / 531 ) ، كتاب -